السيد محمد الصدر

180

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ثانيا : ليس كل إضلال يلزم منه الجبر ، وإن كان الإضلال الابتدائي كذلك . إلّا أن هناك أنواعا من الإضلال إنما يحصل كعقوبة على ذنوب سابقة ، وهي من العقوبة المعجلة في الدنيا ، سواء كانت ظاهرية أو معنوية . فمن العقوبات الظاهرية قوله تعالى « 1 » : فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . ومن العقوبات المعنوية المعجلة ، قوله تعالى « 2 » : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ . وقوله سبحانه « 3 » : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ . الوجه الثاني : إن المراد إفشالهم في حملتهم تلك . والضلال هو الفشل ، إما مجازا ، أو باعتباره حصة منه بنحو المشترك المعنوي . وهذا هو الأظهر ، بل إن هدف السورة هو الحديث عن تلك المعجزة الإلهية التي أوجبت النعمة بفشل الجيش المعادي . الوجه الثالث : إن الضلال لا ينحصر في النية ، بل هو التخطيط القاصر وعدم توقع الحوادث . فإنهم مهما كانوا قد أخذوا الأمور بنظر الاعتبار ، لم يكونوا يتوقعون حصول المعجزة بردهم عن الكعبة . فعدم التوقع هذا ، ضلال وقصور ، مع أنه المناسب لقدسية البيت من ناحية ، ولقدرة اللّه سبحانه ، من ناحية أخرى . فيكون تخطيطهم قاصرا وضالا ، لأنهم لم يحسبوا كل الاحتمالات . ولو حسبوها ما فعلوا ولا جاءوا .

--> ( 1 ) هود / 82 . ( 2 ) التوبة / 77 . ( 3 ) الجاثية / 23 .